نذير حمدان
89
حكمة القرآن والحضارة
وفي الحديث : ما من آدميّ إلّا وفي رأسه حكمة ، وفي رواية : في رأس كل عبد حكمة ، إذا همّ بسيئة فإن شاء اللّه أن يقدّعه بها قدعه « 1 » . ورفع اللّه حكمته أي رأسه وشأنه ، وفي حديث عمر : إنّ العبد إذا تواضع رفع اللّه حكمته أي قدره ومنزلته ، يقال : له عندنا حكمة أي قدر ، وفلان عالي الحكمة . . . - حكم اللّه الحكيم : وتقدم وصف اللّه بالحكيم كثيرا مقرونا بصفات أخرى غالبا ، ونبرز هنا دلالة ( الحكم ) بمعنى الفصل والقضاء الإلهيين ، فقد قصر اللّه الحكم الحق عليه إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ( الأنعام 57 ) ولذلك صرّح بعدها بقوله يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ وهو أيضا أعدل الأحكام والحاكمين وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( المائدة 50 ) وما دام كذلك فإن حكمه بين المؤمنين لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( الممتحنة 10 ) ويلاحظ أن هذه الجملة آخر الآية التي بيّنت الموقف الإسلامي الصحيح من الممتحنات فهو حكم قاطع بين المؤمنين والمشركين وأزواجهم ، ثم إن هذا حكم من حكيم كما صرحت بذلك آخر الآية ذاتها . ومثل هذه الأحكام تصدر من المولى الحقّ في الدنيا والآخرة مقصورا عليه دون سواه ( الأنعام 61 ) . وفي مقدمة الأحكام جميعها عبودية اللّه وحده وبغيره لا يصح حكم ولا قضاء إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( يوسف 40 ) وذلك في مقابل المعبودات ، الأسماء الكثيرة التي سموها هم وآباؤهم ما أنزل اللّه بها من سلطان . وقريب منه ما ذكره اللّه في ( القصص 70 ، 88 ) و ( غافر 12 ) . . . وفي اجتماع الفعل معه ( يحكم ) يؤكد على الفصل المبرم فيه يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ( الرعد 41 ) ، واللّه يشهد على حكم الحكام ( الأنبياء 78 ) فهو خير الحاكمين وأحكم الحاكمين وأعدلهم وأعلمهم وأحقهم ، ومنه ينبغي أن يقتبس الحكام والقضاة أحكامهم العادلة الحقّة ، وهي مسألة عملية حضارية هامة ذات شقين : فهي تعزو الحكم إلى اللّه الحكيم ، وتحثّ الناس إلى التماس حكمته وعدله .
--> ( 1 ) الطبراني 12 / 219 والمستدرك 2 / 291 ومجمع الزوائد 8 / 82 وآخرون .